الجذر
فجرٌ زرادشتي
نوروز يعني ببساطة «اليوم الجديد»، والفكرة زرادشتية حتى النخاع: الخليقة تجدد نفسها كل ربيع، ومهمة الإنسان أن يساعد — نظّف البيت، وصالِح الخصوم، واقفز فوق النار، وازرع الأخضر.
العيد أقدم من أول سجلاته: لعل برسبوليس نفسها بُنيت جزئياً مسرحاً لنوروز، تمرّ فيه أممُ الإمبراطورية الأخمينية الخاضعة أمام الملك بجزية العام الجديد. وأعطت الكوسمولوجيا الزرادشتية اليومَ عمارته — الأرواح الحارسة (الفرواشي) تعود للزيارة فيجب أن تلمع البيوت؛ والنار تطهّر نحسَ العام المنصرم؛ والعدسُ المستنبت على المائدة يحمل حظَّ العام المقبل.
واستوعب الإسلام ما لم يستطع إحلال غيره محله. أبقى الخلفاء نوروزَ رأسَ سنةٍ مالية؛ وجعله شعراء الفرس استعارةَ التجدد الكبرى؛ ومضى العيد ببساطة، يلبس كل إمبراطورية جديدة كما تُلبس البدلة.
المائدة والنار
سبع سينات وثلاثاءُ لهب
نوروز إيران أسبوعان من التصميم الدقيق. في ليلة الثلاثاء الأخيرة من العام القديم — چهارشنبه سوري — تصطف النيران في الشوارع ويقفز الجميع: اصفراري لك، واحمرارك لي — مرضٌ يُقايَض بعافية النار. والمائدة تحمل «هفت سين»: سبعة أشياء تبدأ بالسين، من المستنبتات (الانبعاث) إلى السماق (شروق الشمس)، مع المرايا والسمك الذهبي والشعر.
وبعد ثلاثة عشر يوماً يُختم العيد في الخلاء — «سيزده بدر»، النزهةُ التي تفرغ كل مدينة إيرانية — لأن حظّ اليوم الثالث عشر يجب أن يُنفق في الخضرة، وتُرمى المستنبتات في ماء جارٍ يحمل نحسَ العام إلى المصب.
سقط الضحّاك، وأشعل كاوه ناره على الجبل — ومنذ ذاك، كلَّ ربيع، ثمة من يحتاج أن يُذكَّر.نوروز الكرد، في جملة واحدة
رواية الجبل
نوروز: الربيع السياسي
صهر الكرد رأسَ السنة الإيراني بأسطورتهم المؤسِّسة: الحداد كاوه يصرع الطاغية الضحّاك ويعلن التحرير بنارٍ على قمة. ذلك الصهر جعل نوروز قابلاً للاشتعال سياسياً أيضاً — حُظر عقوداً في تركيا وسوريا البعث، حيث صار إشعالُ نار ربيعٍ فعلَ تحدٍّ، وفي بعض السنين فعلاً قاتلاً. وجاءت الشرعنة على مضض وجزئياً؛ والملايين الذين يملؤون ساحة نوروز في ديار بكر كل آذار يحضرون عيداً وتظاهرة معاً.
وفي عقرة بكردستان العراق يتخذ الاحتفال أبهى صوره: سلاسلُ حاملي المشاعل تتعرج صاعدةً السفح عند الغسق حتى يجري الجبل كله ناراً — إشارةُ كاوه بمقياس مدينة.
اعتدالٌ واحد، بيوت كثيرة
من يشعل النيران
عالم نوروز داخل إطار هذا الأطلس — وهو يمتد شرقاً عبر آسيا الوسطى إلى الأويغور، والأمم المتحدة تعدّ اثنتي عشرة دولة موطناً له.
الدعوى المشتركة
للجميع — وهذا هو المغزى
نوروز للزرادشتيين طقسٌ، وللإيرانيين هوية، وللكرد مقاومة، وللبهائيين يومٌ مقدس (النيروز يختم صومهم ذا التسعة عشر يوماً)، ولعلويي الأناضول «سلطان نوروز» — مولدُ عليّ في حسابهم — وللتركمان والأذريين والطاجيك وعشراتٍ غيرهم هو رأسُ السنة بلا زيادة. في 2010 جعلته الأمم المتحدة يوماً دولياً؛ واليونسكو تدرجه تراثاً لامادياً مشتركاً لاثنتي عشرة دولة — صيغةً دبلوماسية لعبارة «كفّوا عن التنازع على صاحبه».
ولأقليات هذا الأطلس، تلك الصفة المشتركة هي الكنز. يوماً واحداً في السنة يفعل القرويُّ اليارساني والكاهن الزرادشتي والطالب الكردي والمهندس البهائي الشيءَ نفسه في الساعة نفسها لأسباب يشرحها كلٌّ بطريقته — وذلك أقربُ ما تصل إليه المنطقة من ميراثٍ مشترك لم يُضطر أحدٌ إلى اعتناقه.