صائغ فضة مندائي جالس متربعاً عند سندان منخفض، يشتغل قطعة فضة صغيرة بمِنقاش، بغداد، أوائل القرن العشرين

حِرفة · احتكارُ مهارة

فضةٌ
لا سيوف

ديانةٌ تحرّم على أهلها حملَ السلاح وجّهتهم، بدلاً من ذلك، إلى أصبرِ الصنائع. قروناً في العراق، كان أن تقول «مندائي» يعني تقريباً أن تقول «صائغ فضة». ثم، في عشرين عاماً، كاد الشعبُ وحرفتُه معاً أن يُقتلَعا.

نحو 2000عام عند البنك
صفرسلاح يحمله المندائي، بحكم الدين
نحو 90%من جماعة العراق رحلوا منذ 2003
سيدنيأكبر مدينة مندائية اليوم

النذر

ديانةٌ لا تحمل سلاحاً

معظم أديان هذا الأطلس تبيح لأهلها الدفاع عن أنفسهم. أما المندائية فلا. شريعتها تحرّم العنف تحريماً قاطعاً — لا يجوز للمندائي أن يحمل سلاحاً ولو لينقذ حياته. نُبلٌ في السلم؛ وفي الحرب، انكشافٌ قاتل.

وشعبٌ لا يقاتل لا بد أن يأكل، وعبر القرون صبّ مندائيو جنوب العراق مهارتهم في حرفةٍ تكافئ الصبر لا القوة: صياغة الفضة والذهب. لاءم الاختيارُ الدين. فالشغل بالمعدن بطيءٌ دقيقٌ منفرد — أقربُ إلى الصلاة منه إلى التجارة — ولا يترك دماً على يد أحد.

وبلغ التخصص من العمق أن الكلمتين كادتا تتحدان في العراق العثماني والحديث. أن تكون مندائياً — «صُبّياً» في الاستعمال المحلي — كان، عند معظم الغرباء، أن تكون صائغ الفضة في آخر الصف، الرجلَ الهادئ الذي يحيل قطعة نقودٍ سواراً. أزقةُ أسواقٍ بأكملها في بغداد والعمارة والبصرة كانت لهم سمعةً وميراثاً، تُورَّث من الأب إلى الابن عند البنك المنخفض نفسه.

الحرفة

الأمارة: كتابةٌ بالأسود على الفضة

كان توقيع المندائيين تقنيةَ تباين: النيلّو، طُعمٌ معدني أسود يُحرق في فضةٍ محفورة فيقرأ التصميمُ فاحمَ السواد على معدنٍ لامع. سمّى العراقيون أرقاه الأمارة، نسبةً إلى العمارة — بلدة الأهوار التي أتقن صاغتُها الفن. على الخواتم والعلب والأساور والأحزمة نقشوا عوالمَ مصغّرة: نخيل التمر، وزوارق القصب، وطيور الأهوار، ودجلةَ نفسه، محبَّرةً بالأسود ومرغوبةً في أنحاء البلاد العثمانية.

كان فناً محمولاً وكتوماً — ثروةً تلبسها، صنعتها جماعةٌ تعلمت أن تبقى بعيدة عن الأنظار. واليدُ نفسها التي لم تستطع حملَ سيف كانت ترفع، من صفيحة فضة مسطحة، مشهداً كاملاً للأنهار التي عاشوا عليها.

صينية من الحلي المندائية الفضية والذهبية، عدة قطع مطعّمة بالنيلّو الأسود تُظهر نخيلاً وحيوانات
فضةٌ ونيلّو مندائيان — شغلُ «الأمارة» المطعّم بالأسود، قلائدُه منقوشة بنخيل التمر ومشاهد الأهوار. Photo: Yuhana Nashmi, The Worlds of Mandaean Priests, CC BY-SA 4.0
لا يرفع المندائيُّ سلاحاً. فرفع المطرقةَ بدلاً منه.
عن حرفةٍ ولدت من ديانةٍ مسالمة

ورشُ النهر

حيث رنّ السندان

تبعت تجارةُ الفضة المندائية الماءَ — بغداد والعمارة قبل كل شيء — إلى أن بعثر 2003 الورشَ في الخارج.

الرحيل

الحرفة تتبعثر

بعد 2003 صار الظهورُ الذي تتطلبه الحرفة حكمَ إعدام. فصاغة المندائيين معروفون وعُزّل ويُفترَض أنهم أثرياء: أهدافٌ مثالية للخاطفين والميليشيات الذين ملؤوا الفراغ في بغداد والبصرة. نُهبت المحال، وخُطف الصاغة للفدية أو قُتلوا خلف مناضدهم، وفعلت الجماعةُ التي لا تستطيع بحكم دينها أن تردّ الشيءَ الوحيد المتبقي لها — رحلت.

نحو تسعةٍ من كل عشرة من مندائيي العراق رحلوا منذ 2003. صمتت أحياءُ النهر القديمة؛ وخلت البنوك. واليوم قد يشتغل صائغ الفضة المندائي في سيدني أو ديترويت أو بلدة سويدية بقدر ما يشتغل في بغداد — يعيد الافتتاح تحت لافتةٍ جديدة، ويعلّم الأمارةَ صفاً من المتدربين أرقَّ بكثير مما كانت الأنهار تمدّه به.

واجهة عرض حديثة لجواهري مندائي، قلائد على حوامل وصواني أساور ذهبية وقلائد مطعّمة بالأسود
محل جواهري مندائي اليوم. تنجو الحرفة في الشتات — وقد أُعيد تركيب واجهاتها بعيداً عن دجلة. Photo: Yuhana Nashmi, The Worlds of Mandaean Priests, CC BY-SA 4.0

البنك عبر الزمن

الخط الزمني

  1. العصور القديمةفضةٌ على الأنهار. صاغةٌ مندائيون يشتغلون بلدات دجلة والفرات الأسفل، مرتبطين بالماء الذي يفرضه دينهم.
  2. العهد العثمانينيلّو العمارة. الفضة المطعّمة بالأسود من بلدة العمارة في الأهوار مرغوبةٌ في أنحاء الإمبراطورية.
  3. القرن العشرونحيّ بغداد. سوقُ الصياغة المطل على النهر في العاصمة، بالسمعة، احتكارُ مهارةٍ مندائي.
  4. 2003استهدافٌ وإفراغ. الخطف والقتل يقعان أثقلَ ما يكون على الصاغة الظاهرين العُزّل؛ وتبدأ الجماعة الفرار.
  5. اليومالحرفة في المنفى. أساتذةٌ يعيدون الافتتاح في سيدني والسويد والولايات المتحدة، يعلّمون الأمارةَ عدداً متناقصاً من الشباب.

سلسلة التلمذة

أتعيش الحرفةُ بعد بلدها؟

حرفةٌ تُنقل عند البنك، من الأب إلى الابن، لا تبعد قط عن نهايتها أكثر من جيلٍ واحد غير مبالٍ. والتشتت عدوّها: مبعثرين عبر أربع قارات، متزاوجين خارج الجماعة، منجذبين إلى مهنٍ أسهل وأوفر أجراً، لدى شباب الشتات كل سبب لترك المِنقاش. والخوف ليس أن يختفي آخرُ مندائي، بل أن يختفي آخرُ من يعرف أن ينقش الأمارة.

ومع ذلك. الجماعةُ التي أعادت بناء كهنوتها من مبتدئَين بعد وباء كوليرا متمرسةٌ في تجاوز أعناق الزجاجات. جمعياتُ الشتات تموّل الورش؛ وحفنةٌ من الشباب المندائيين يعيدون تعلّم النيلّو من أجدادهم عبر مكالمات الفيديو؛ والمتاحف تقتني اليوم فضةَ مشاهد الأهوار تراثاً. والمطرقةُ التي رفعها المندائي لأنه لم يستطع رفعَ سيف قد تكون، في النهاية، أعصى على القتل.