حفرٌ من القرن التاسع عشر لفرسان روس يشتبكون بفرسان شركس في وادٍ جبلي

منفى · 1864 وما بعدها

عام السفن

في 1864 أفرغت الإمبراطورية الروسية شمال غربي القوقاز من أهله. وحملت المراكب العثمانية الناجين جنوباً — إلى الأناضول، ونزولاً في الشام، وإلى تأسيس مدنٍ ظلت خاوية ألف عام.

100+عام من حرب الفتح
≈1.5 مليونمرحَّل أو ميت، 1863–64
≈10%من الشركس بقوا في الوطن
1878إعادة تأسيس عمّان بأيدي المنفيين

الحرب

قرنٌ من الفتح

اصطدم اندفاعُ روسيا نحو البحار الدافئة، في شمال غربي القوقاز، بالشعوب التي تسمي نفسها الأديغة — ولم تكن تنوي الرحيل. دامت الحرب الروسية الشركسية، بالعدّ المألوف، من 1763 إلى 1864: أطولَ حرب خاضتها روسيا قط.

جعلت الجبالُ المقاومةَ ذائعةً في أوروبا — صار «الشركسي» كنايةً رومانسية عن الشجاعة المحكوم عليها — لكن الإمبراطورية بدّلت الأساليب في الستينيات: لا هزيمة الجبليين بل إزالتهم. كانت خطة الجنرال يفدوكيموف صريحة: قرى تُحرق، ووديان تُفرَّغ واحداً واحداً، وسكان يُساقون إلى ساحل البحر الأسود أمام خيارين: توطينٌ في السهوب أو منفى إلى السلطان العثماني.

واختار الجميع تقريباً السلطان. على شواطئ تواپسه وسوتشي وأنابا انتظر مئات الآلاف شتاءَ 1863–64 قدومَ المراكب — جياعاً ينهشهم التيفوس، يدفنون موتاهم في الرمل. رواياتُ الضباط الروس المعاصرين لا توفّر تفصيلاً؛ والشركس يحيون 21 أيار/مايو 1864، يومَ أُعلن النصر، يومَ إبادتهم الجماعية.

العبور

الغرقى والناجون

نقلت مراكبُ عثمانية ومستأجرة، محمَّلةً فوق طاقتها بكثير، المنفيين إلى طرابزون وسامسون وفارنا طوال 1864 وما بعدها. وتقديرات الكارثة كلها — موتى الترحيل والغرق والأوبئة في مخيمات الإنزال — تمتد من عدة مئات آلاف إلى ما يزيد كثيراً على المليون؛ ويشيع بين الباحثين أن من نحو 1.5 مليون شركسي لم يبقَ في القوقاز أكثرُ من العُشر.

واستقبلت الدولة العثمانية، الفاقدةُ سكاناً مسلمين في البلقان، المنفيين عن عمد: لجانُ اللاجئين وطّنتهم على التخوم الاستراتيجية — ممرات البلقان، وداخل الأناضول، وحافة بادية الشام — حيث يصلح الجبليون المتمرسون حرسَ حدود أيضاً. لهذا تبدو خريطة الشركس اليوم كأن مهندساً عسكرياً رسمها: خطُّ قرى على أجنحة الإمبراطورية المكشوفة.

لوحة لجبليين يهجرون قريتهم ويسوقون القطعان في وادٍ مثلوج
بيوتر غروزينسكي، «الجبليون يغادرون الأول» (1872) — رسمها أكاديمي روسي والذاكرة ما تزال غضة. Painting: public domain
أخذ البحرُ الضعفاء. وأخذت الإمبراطوريةُ الأرض. واحتفظنا نحن بالخابزة.
ذاكرة المنفى الشركسي عن 1864

الدروب

من الشواطئ إلى حافة البادية

دروب الترحيل والتوطين، 1864–1878، مرسومة على نمط توطين لجنة اللاجئين العثمانية. مساراتٌ إرشادية لا خطوط سير دقيقة.

إعادة البناء

مدنٌ من أطلال

صار انضباطُ المنفيين العسكري موهبةً مدنية. في عمّان عام 1878 رفعت أسرٌ شركسية أول البيوت بين أطلال رومانية خاوية منذ قرون — تجفف الأرض وتغرس البساتين وتجرّ الحجر من المسرح القديم. ولما جاءت الإمارة الهاشمية عام 1921 زوّدها الشركس بحرسها وضباطها وإدارييها؛ وما زال أحفادهم يحفظون الحراسة الشرفية على ملوك الأردن.

وتكرر النمط في قنيطرة الجولان وعبر هضبة الأناضول وفي قريتَي الجليل كفر كما والريحانية — حيث ما زالت الأديغية لغةَ ساحة المدرسة، وأصفى لهجة محفوظة خارج القوقاز.

شبان شركس يرقصون بالزي التقليدي بعد ساعات التدريب، كفر كما
حمل الرقصُ ما لم تستطع السفن حمله: فرق الشركس من عمّان إلى كفر كما ما زالت تؤدي حلقات أعراس القوقاز المفقود. Photo: GPO Israel, CC BY-SA 3.0

تهجيرٌ واحد، ستة أجيال

الخط الزمني

  1. 1763–1864الحرب الروسية الشركسية. قرنٌ من الفتح ينتهي بخطة يفدوكيموف للتفريغ.
  2. 21 أيار 1864إعلان النصر في قبادة. التاريخ الذي يحييه شركس العالم يومَ الإبادة.
  3. 1864–67السفن. مئات الآلاف يعبرون إلى طرابزون وسامسون وفارنا؛ والتيفوس والغرق يأخذان أرواحاً بلا عدّ.
  4. 1878إعادة تأسيس عمّان. مستوطنون شركس يبنون بين الأطلال الرومانية؛ وتتبعها القنيطرة وقرى الجولان.
  5. 1921العهد الهاشمي. الشركس يشغلون حرسَ شرق الأردن الجديد وإدارته.
  6. 2011–العودة معكوسة. شركس سوريا الفارون من الحرب يسلكون قنوات روسيا للعودة — طريقُ المنفى يُركض عكساً بعد 150 عاماً.

الحساب

ذاكرةٌ ما زالت على الطريق

وحدها جورجيا اعترفت رسمياً بأحداث 1864 إبادةً جماعية؛ روسيا لم تفعل، وجاءت أولمبياد سوتشي الشتوية 2014 — على ساحل الترحيل نفسه، وفي سنة الذكرى — فحوّلت الذكرى الشركسية حملةً عالمية. كلَّ 21 أيار/مايو، من عمّان إلى إسطنبول إلى نيوجيرسي، تمشي المواكب نحو البحر.

الشتات الذي صنعته السفن يفوق الوطن اليوم عشرة إلى واحد. ومطالبه دقيقة: الاعتراف، وحقّ العودة، ونجاةُ لغةٍ تصنفها اليونسكو مهددة حيثما نُطقت. أما الخابزة — القانون الذي أبى المنفيون تركه على الشاطئ — فتبقى الشيءَ الذي ما زالت كل جماعة شركسية، في كل قارة، تشترك فيه.